رئيس تكتل الحصن المتين جلول شتوان لـ«أفريكا نيوز»: نحن واعون بخطورة الحملات التحريضية في الساحل

نعتز اليوم بنشر حوار متميز مع السيد شتوان جلول، رئيس تكتل الحصن المتين، عبر صفحات جريدة «أفريكا نيوز». كان حوارا عميقا وشاملا تطرق إلى قضايا الساعة في منطقة الساحل والجنوب الكبير، وأبرز الدور الريادي للمجتمع المدني في تعزيز الاستقرار الوطني.
نشكر كل من ساهم في إنجاح هذا العمل الإعلامي، ونؤكد أن مؤسسة تكتل الحصن المتين ستواصل أداء رسالتها بكل التزام ومسؤولية.
الحوار الكامل:
في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة التي تعرفها منطقة الساحل الإفريقي، أصبح للمجتمع المدني دور متزايد الأهمية في تعزيز الاستقرار وتوعية المواطنين، خاصة في المناطق الحدودية التي تواجه تحديات أمنية وإنسانية. ومن بين النماذج المدنية النشطة في هذا المجال، تبرز مؤسسة «تكتل الحصن المتين» التي أطلقت مبادرة «المرابطة المجتمعية التوعوية» في ولايات الجنوب الكبير. وفي هذا الإطار، أجرينا حوارا مع السيد شتوان جلول، رئيس تكتل الحصن المتين، لتسليط الضوء على هذه المبادرة وخلفياتها وأثرها في الحركية المجتمعية الحالية.
س: ما خلفية مبادرة «المرابطة المجتمعية التوعوية» التي أطلقتموها مؤخرا في الجنوب الكبير؟
ج: هذه المبادرة جاءت في وقت حساس تمر به المنطقة، خاصة بعد حادثة إسقاط الطائرة في مالي وما رافقها من استفزازات دبلوماسية. كمجتمع مدني وطني، أدركنا ضرورة أن نكون في الميدان، ليس فقط للتوعية، بل أيضا للمرافقة المدنية للمواطن، لأن الاستقرار لا تبنيه المؤسسات الرسمية وحدها، بل المواطن الواعي بدوره.
س: ما هي المناطق التي استهدفتها المبادرة تحديدا، وما مدى تفاعل سكانها معها؟
ج: شملت المبادرة ولايات أدرار وتمنراست وبرج باجي مختار وتندوف. هذه الولايات تُعد بوابات حدودية للجزائر، وهي في قلب التحولات التي يشهدها الساحل. عملنا فيها مع مختلف شرائح المجتمع: الشباب والشيوخ والنساء والجمعيات، ولاحظنا استجابة إيجابية، لأن هناك بالفعل عطشا كبيرا للمبادرة المدنية الجادة في هذه المناطق.
س: كيف تم التنسيق مع الفاعلين المحليين لتنفيذ هذه المبادرة؟
ج: التنسيق يتم على عدة مستويات. محليا، نحن على تواصل مباشر مع لجان العقلاء والأعيان والجمعيات، لأنهم الأقرب إلى المواطن. وعلى المستوى الوطني، ننسق مع المرصد الوطني كمؤسسة استشارية، حيث نستعمل منصته الإلكترونية لإرسال مقترحاتنا التي يتم إدراجها ضمن الرؤى الوطنية. هذا الأسلوب يفتح المجال لمقاربات تشاركية تُسمع فيها أصوات المجتمع المدني.
س: ما تعليقكم على الأوضاع الجارية حاليا على الحدود الجنوبية، خاصة في منطقة تنزواتين؟
ج: ما نرصده في تنزواتين وبعض المناطق الحدودية الأخرى يُظهر حجم الضغط المتزايد نتيجة الوضع الإقليمي الهش، خاصة في مالي والنيجر. فتدفق اللاجئين ووجود تهديدات عابرة للحدود يتطلبان تعبئة وطنية شاملة. وكمجتمع مدني، نلعب دورا جوهريا في الاستجابة المجتمعية، سواء عبر قوافل إنسانية أو عبر التحسيس والتنسيق مع السلطات المحلية.
س: هل كان للشباب دور بارز في هذه المبادرة؟
ج: بكل تأكيد. الشباب هم القوة الحية للمجتمع المدني. في أدرار مثلا، لمسنا التزاما كبيرا من طرف شباب مثقف ومتشبع بالروح الوطنية، وكان لهم دور أساسي في تأطير الأنشطة وتنشيط اللقاءات. نحن نعمل على تكوين نخب شبانية محلية قادرة على المرافعة من أجل مناطقها، والمساهمة في التنمية، والتصدي للأفكار الهدامة.
س: رغم الحضور البارز لتكتل الحصن المتين، تروّج بعض الأطراف لكونه حزبا سياسيا، خاصة بعد دعمه لقوائم حرة خلال الانتخابات الأخيرة. كيف تردون على هذا الطرح؟
ج: نحن نشتغل ضمن هوية جمعوية خالصة، ورفضنا للتحزب لا يعني الانسحاب من الفعل السياسي الوطني، بل العكس: نحن نؤمن بأن المجتمع المدني قادر على أن يكون جسرا حيويا بين المواطن والمؤسسات، وكذلك بين النخب السياسية والاجتماعية. ودعمنا لبعض القوائم الحرة جاء من هذا المنطلق: دعم كفاءات وطنية نظيفة لها رؤية، دون الارتباط بمشاريع حزبية. أما بخصوص مبادرة «لم الشمل المجتمعي»، فقد كانت قراءة استباقية منا لضرورة التوافق الوطني، وجمعت فعلا قوى كبيرة مثل جبهة التحرير الوطني وحركة البناء الوطني وتاج، إضافة إلى شخصيات وطنية ومجتمعية. وقد استقبلتنا قيادات تلك الأحزاب رسميا، في موقف اعتُبر تحولا نوعيا في العلاقة بين المجتمع المدني والطبقة السياسية. هذا ما نعمل عليه: خلق مناخ وطني جامع، بعيدا عن الصراعات الإيديولوجية الضيقة.
س: في ظل التوترات التي تعرفها منطقة الساحل، لاحظنا أن بعض الأطراف، خاصة من المقيمين بالخارج، تسعى لاستغلال الأحداث الأمنية والإنسانية، سواء عبر التحريض ضد الجزائر أو بمحاولات خلق شقاق داخل المجتمع الأزوادي، خصوصا في ولايات الجنوب الكبير مثل برج باجي مختار التي تعرف توافدا كبيرا للاجئين. كيف تعامل تكتل الحصن المتين مع هذه التحديات؟ وما هي المبادرات التي قمتم بها لتحصين النسيج المجتمعي من هذه الحملات؟
ج: نحن في تكتل الحصن المتين واعون تماما بخطورة الحملات التحريضية التي تستغل هشاشة الأوضاع في منطقة الساحل. فالأطراف التي تتحرك من الخارج وتحاول زرع الفتنة، سواء عبر تأجيج الانقسامات داخل المجتمع الأزوادي أو تضخيم قضية اللاجئين في برج باجي مختار، هدفها الواضح هو ضرب الاستقرار الوطني. موقفنا كان واضحا: تكثيف التوعية الميدانية، والعمل مع لجان العقلاء والشيوخ، ودعم مبادرات المصالحة داخل المجتمع المحلي. كما أطلقنا سلسلة لقاءات مباشرة مع الفاعلين المحليين ومع الشباب تحديدا، لتحصينهم من الخطابات التحريضية. نحن نؤمن بأن الوحدة المجتمعية خط الدفاع الأول عن أمن واستقرار الجنوب الكبير، وواجبنا كمجتمع مدني أن نكون في مقدمة الجبهة المجتمعية، جنبا إلى جنب مع مؤسسات الدولة.
س: كلمة أخيرة توجهونها في ختام هذا الحوار؟
ج: رسالتي أن الجنوب ليس مجرد منطقة عبور أو حدود، بل هو رئة الجزائر الاستراتيجية. وحمايته لا تكون فقط عبر الأجهزة الأمنية، بل عبر مجتمع مدني قوي، منظم، وواع بمسؤوليته. ومع تفعيل الشراكات الوطنية، وتثمين الطاقات المحلية، يمكننا خلق نموذج مدني وطني راق في الجنوب الكبير، يكون مصدر إلهام لباقي جهات الوطن.
وطنٌ واحد، أمّةٌ واحدة، تاريخٌ ومصيرٌ واحد



